آخر المقالات

أزمة الدواء في السودان.. الأسباب والحلول

No comments

يعتبر القطاع الصيدلاني من قطاعات الصحة الحيوية و المهمة و المؤثرة. ظل هذا القطاع و برغم أهميته من القطاعات المهملة من الدولة خاصة بعد انفصال الجنوب و تفاقم الازمة الاقتصادية، يوجد عوامل ساعدت علي هذا الاهمال منها عوامل داخلية تخص القطاع و منها عوامل تخص سياسات الدولة.

العوامل الداخلية في القطاع الصيدلاني يمكن ايجازها في الاتي:

1/ طبيعة القطاع الصيدلاني الهشة و سيطرة فئات معينة عليه

2/ طبيعة الكادر البشري العامل في القطاع و ميله للمهنية العلمية و بعده عن محيطه السياسي و عدم سعيه لتكوين مجموعات الضغط التي من خلالها يمكن ان يعكس وجهة نظره في كيفية ادارة مهنته.

3/ عدم وجود هيكلة و مسار وظيفي واضح للصيدلي يتيح له تبادل و نقل خبرات من سبقوه فخريج الصيدلة تقذف به كلياته الي الحياة العملية يتيم الابوين ووحيد لا اخوة له.

4/ تضارب مصالح مكونات القطاع الصيدلاني الداخلية فنجد مكونات مختلفة بهموم و قضايا و مشكلات مختلفة فالمكونات نجد بها صيدلي صاحب شركة دواء او صاحب صيدلية و نجد صيدلي مجتمع او عامل في شركات الادوية ، فمثلا اذا تحدثنا عن مشكلة الاجور نجد ان حلها يتضارب مع مصلحة ملاك الصيدليات والشركات والعكس صحيح.

5/ عدم وجود رؤية واضحة مشتركة ومتفق عليها لادارة القطاع الصيدلاني مما اهدر الكثير من الجهد والوقت والمال في تجريب خطط فردية او حزبية بها قصور كبير و لم يتم النقاش حولها لتحسينها او علي الاقل الحصول علي الحد الادني من الالتفاف حولها.

ثانيا العوامل التي تخص الدولة :

1/ ازمة الدواء ازمة صامته ليس لها مظاهر حيث لا صفوف و لا زحام مما قذف بها في قاع اولويات الدولة.

2/ مشاكل القطاع الصيدلاني و اختلافاته الداخلية اضعفت من صوته وقوة مطالبه وكانت كل مطالباته خجولة ومتفرقة مما اغري الدولة للتمادي في اهمال القطاع.

3/ المحرك الاساسي لاجهزة الدولة كانت تقارير المنظومة الامنية و اي ازمة في القطاع الصحي بصورة عامة و في القطاع الصيدلاني بصفة خاصة لا تمثل تهديدا امنيا يستدعي التدخل العاجل للمعالجة و كانت تسكن القضايا باصدار بيانات و تصريحات تعكس للمواطن البسيط ان الخلل موجود في الصيادلة و ليس في الدولة و الامثلة و الشواهد علي ذلك كثيرة ابتداءا من تصريحات وزير الصحة سيئ الذكر ابو قردة ووصفه للصيادلة بالجشعين تارة و تصريحه الاخر بان ميكانيكياً يعمل في صيدلية ثم بعد ذلك انتقلت الحملة إلى تسليط الضوء علي الشركات الوهمية والكيزانية واحتيالها علي بنك السودان و استيلائها علي فتات دولارات الدواء و تصوير تلك العملية و كان الدولة لم تقصر في امر الدواء ولكن جشع وطمع الصيادلة هو من بدد تلك الجهود ثم بعد ذلك انتقلت الحملة المنظمة الي فكرة حملات التفتيش علي الصيدليات واظهار عدم الالتزام بتسعيرة الدواء الصادرة من المجلس مع العلم انه في ذلك الوقت كانت هنالك تسعيرتان صادرتان من المجلس الاتحادي للادوية و السموم في تغبيش واضح للحقيقة وتضليل المواطنين.

4/ نجاح اسلوب الاشاعات والحملة المضادة المنظمة من قبل الدولة اتجاه مهنة الصيدلة والصيادلة اغري الدولة لمزيد من الاهمال و التقاعس عن البحث عن حلول جذرية لمشكلة الدواء.

في السطور القادمة نحاول ان نجيب علي السؤال الاساسي، ما هي مشكلة الدواء في السودان؟!

الدواء مثله مثل اي سلعة يتاثر بالدولار و العوامل الاقتصادية للدول، و بحسب إحصائيات شبه رسمية فان السودان يستهلك أدوية بقيمة تتراوح ما بين 400 الي 600 مليون دولار في العام. للأسف الدولة عاجزة عن توفير هذا المبلغ الزهيد في بنك السودان و تخصيصه للدواء مما يضطر الشركات المستوردة و مصانع الدواء المحلية للجوء للسوق الاسود للحصول علي الدولار لتمويل عمليات الاستيراد سواء لادوية مصنعة او لمواد خام و مدخلات انتاج للنصانع المحلية ، الي هنا قد يبدو الامر طبيعيا في دولة اقتصادها منهار و منهك كالسودان لكن ما لايعرفه الكثير من الناس ان الدواء مقيد بتسعيرة تصدر من المجلس الاتحادي للأدوية و السموم ملزمة للشركات و المصانع المحلية و هذة التسعيرة تستند الي السعر الرسمي للدولار في البنك غير آبهة بفرق السعر بين الرسمي و السوق الاسود مما يعرض تلك الشركات لخسائر مالية فادحة مما يضطرها للانتظار للحصول علي دولار البنك الغير موجود اصلا و انتظار صف طويل للحصول عليه مما يؤدي الي نفاذ المخزون من الدواء المعني نتيجة للانتظار الطويل مما يسبب ندرته و انعدامه في الصيدليات و يجعل المواطن يبحث عنه في كل الصيدليات و قد يجده او لا يجده ، مع العلم ان عملية استيراد الدواء عملية طويلة جدا و تاخذ وقت طويل و لا يوجد مصنع يبدأ انتاجه مالم يحصل علي الاقل علي 50% من قيمة الدواء و ال50% الاخري تدفع بعد الانتهاء من الانتاج و قبل الشحن. تلجأ بعض شركات الدواء و كحل لهذه المعضلة لتصدير منتجات سودانية للحصول علي عوائد صادر تستخدمها في استيراد الدواء و هذا الطريق ايضا شاق و يستهلك الكثير من الوقت في شراء المنتج المحلي و فرزه و تعبئته و من ثم تصديره و تسويقه خارجيا و انتظار عائده ، ثم تبدأ عملية إستيراد الدواء هذة العملية الطويلة تسبب ايضا ندرة و انعدام للدواء و يقلل من عدد مرات استيراد الدواء في العام. بالاضافة الي ذلك هنالك مشاكل في التوزيع العادل للدواء علي الولايات و الصيدليات حيث اصبحت اولوية الحصول علي الدواء لمن له القدرة علي دفع القيمة كاش فوري و توقفت عمليات البيع بالاجل عن طريق الشيكات مما اثر علي فرص الكثير من الصيدليات في الحصول علي الدواء و بالمقابل قامت بعض الصيدليات صاحبة راس المال العالي باحتكار المتوفر من الدواء علي قلته ، مما فاقم الازمة علي المواطن و جعله يدخل في رحلة بحث مرهقة عن دوائه.

الصيادلة و تعاطيهم مع الازمة:

للأسباب التي ذكرت في بداية المقال عن وجود مشاكل داخلية للقطاع الصيدلاني و غياب الرؤية الموحدة تجاه قضايا المهنة الاساسية والمفصلية وعدم وجود قوانين رادعة تحمي المهنة تحركت مجموعات من شباب الصيدلة وحاولوا عكس جوانب المشكلة الحقيقية للشعب عن طريق الوقفات الاحتجاجية وهاشتاقات أعيدوا الدعم للأدوية والدعوات للاضرابات مما جعلهم عرضة للاعتقالات والتنكيل وكانت البداية لتكوين لجنة صيادلة السودان المركزية التي فيما بعد اصبحت النواة لادوار الصيادلة في ثورة ديسمبر المجيدة. لحداثة هذة التجربة و لغياب الخطط المدروسة لمعالجة الازمة علي المدي الطويل و القصير لم تنجح الحملة في التاثير علي الحكومة و لكنها نجحت نجاح جزئي في تعريف عامة الشعب بالمشكلة الحقيقية للأدوية رغم الحملة المضادة التي انتهجتها الحكومة في تشويه صورة الصيادلة و الصيدلة للتنصل من مسؤولياتها اتجاه هذا القطاع الحيوي.

بعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة استبشر القطاع الصيدلاني خيرا وراي بداية ضوء يلوح في افق العتمة، و لكن للاسف لم يحدث اي جديد في تعامل و تعاطي الدولة مع ازمة الدواء و استمرت نفس السياسات و الازمات و لكن هذة المرة كان هنالك تخبط شديد في السياسات اتحاه الازمة فتارة يتم اعادة تخصيص قيمة 10% من الصادرات للدواء و تارة يتم الغاء القرار مما جعل الازمة تتصاعد و تصل لمراحل غير مسبوقة من قبل فيتحرك المستوردون و اصحاب المصانع للجلوس مع الامين العام للمجلس الاتحادي للأدوية و السموم الجديد التم تعيينه من رحم هذة الثورة فيتم الاتفاق علي تسعيرة جديدة للأدوية تبدأ بالأدوية المصنعة محليا تراعي الزيادة المهولة في سعر الصرف ، رفض قطاع كبير من الصيادلة هذة التسعيرة الجديدة بدوافع الانسانية و بنظرة المواطن العادي و ليس بدوافع مهنية و اصبحوا كالذي يحترق لينير الدرب للاخرين، وهنا عادت مشكلة تضارب المصالح و التباينات الموجودة في مهنة الصيدلة للظهور من جديد لتؤكد غياب الرؤية الاستراتيجية لمهنة عصفت بها الازمات من كل جانب . بهذا الرفض تم الضغط علي الاجسام الثورية الصيدلانية فتم اصدار بيانات رفض التسعيرة و استجاب الوزير للضغط و قام بالغاء التسعيرة الجديدة و بعد فترة تمت اقالة الامين العام للمجلس الاتحادي للأدوية و السموم ككبش فداء للأزمة في اعادة لسيناريو اقالة العكد الامين العام الاسبق بنفس السيناريو و كان التاريخ يعيد نفسه. بعد الغاء التسعيرة و اقالة الامين العام عادت الازمة لنقطة الصفر مرة اخري. بعد ذلك دعي وزير الصحة الاتحادي الي إجتماع عام لكل المعنيين بالصناعات الدوائية و وزارة التجارة و الاجسام الثورية فتخلف عن الحضور لاسباب قيل انها صحية وبعد سلسلة من الاجتماعات ظهرت للسطح تسعيرة جديدة رفضتها شعبة المصنعين و هددت بايقاف الانتاج، وفي خضم هذة الاحداث أصدرت شعبة المستوردين بيان اوضحت فيه حجم العجز حتي تاريخ الاول من مايو حيث بلغ عجز الاستيراد 81 مليون دولار بالمقارنة مع نفس الفترة من العام السابق. الان هنالك دعوات للاضرابات في صيدليات المحتمع احتجاجا علي الارفف الخالية من الدواء في الصيدليات ليضيف الاضراب عبء جديد علي كاهل المواطن الباحث عن الخدمات الطبية الاولية من بداية حائحة كورونا و حتي الان نتيجة لاغلاق نعظم المستشفيات و عدم استقبالها للحالات خوفا من الكورونا. لكن و بكل اسف الاضراب شر لابد منه للفت نظر المسؤولين و ضغطهم للقيام بمسؤولياتهم تجاه شعبهم.

بعد كل هذا السرد يتبين ان حل مشكلة الدواء يتم بالاتي:

1/ توحيد و تبني رؤية صيدلانية شاملة تراعي مصالح جميع مكونات المجتمع الصيدلاني و ذلك بعد نقاش مستفيض حول تلك الرؤية بطرق علمية و مهنية لوضع حلول علي المديين القصير و البعيد.

2/ التفاف جميع الصيادلة حول الرؤية المتفق عليها و السعي لانزالها لارض الواقع مستخدمين كل السبل و الطرق المشروعة و الممكنة دون الاضرار بمصالح الشعب.

3/ اعادة النظر في مفهوم دعم الدواء بشكله الحالي و الاستعاضة عنه بتأمين صحي قوي يشمل جميع افراد الشعب السوداني و تحرير سعر صرف دولار الدواء تفاديا لانهيار قطاع الصيدلة في السودان خصوصا بعد اتجاهات الدولة لرفع الدعم عن الوقود و الخبز و الاتجاه للتحرر الاقتصادي الكامل لان استمرار دعم قطاع الدواء وحيدا سيؤثر سلبا عليه و سوف يعيق تطوره خاصة في ظل التضخم الحالي.

4/ الضغط علي الدولة لتحمل مسؤولياتها تجاه المواطن و البحث عن حلول حقيقية لأزماته.

غسان الرشيد

صيدلاني سوداني

Ghassan Alrasheedأزمة الدواء في السودان.. الأسباب والحلول

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.