آخر المقالات

التطبيع .. عجل السامري

No comments

لم أجد من مبررات إتكأ عليها دعاة التطبيع غير المقارنة الضحلة بأن الفلسطينين أنفسهم مطبعين أو أن يقولوا أن اغلب الدول العربية قد قامت بالتطبيع فلماذا لا نطبع نحن وأن لا مصلحة لنا في أن لا نطبع وقليل منهم يعتقد أن في التطبيع مصلحة إقتصادية وإنفتاح سياسي للبلاد غير أن الأخيرة غير مضمونة وليس حقيقة حتى فكل عاقل يعلم أن الإرادة السياسية وحسن إدارة موارد البلاد والنضج السياسي والعدل والنزاهة هما من يحققان الرفاه لكل دولة .

العسكر صرحوا بها علانية أن التطبيع مربوط برفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ذلك لأنهم يعملون وفق منظومة التوجيهات والتعليمات والأوامر وما جاءهم من أوامر بقول ذلك فهم أصلا ليسوا بأهل سياسة ولا يعتقدون في ممارستها بل يجيدون التنفيذ ولأنهم وقعوا ضحية لمحور معين يرعى التطبيع ويدعوا له ونتيجة لتقاطعات داخلية وخارجية تخدم مصالحهم وتبعدهم عن المساءلة في السنوات القادمة وربما تمنحهم صك البراءة من كل ما قاموا به منذ إندلاع الثورة فهم حريصون جداً على أن يكون التطبيع واقعاً وأن يربط مع رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وما حديث البرهان ببعيد ولا حديث نائبه وحديث ياسر العطا لقناة الحدث .

لماذا اذاً رفض حمدوك ربط الرفع بالتطبيع اولاً ثم ذهب الى القبول المشروط السياسيون يدركون ان القضيتان منفصلتان عن بعضهما فقد انجز السودان مطلوبات رفع اسمه منذ ايام ادارة اوباما بعد ان سلم مدير المخابرات السودانية أمريكا قائمة باسماء الجهاديين والمنظمات التي تدعمهم بل وسلمهم اسماء موردي السلاح الى غزة واعطوا الامريكان معلومات لوجستية لضرب مهربي السلاح بالشرق ، ولأن حمدوك ومن معه يعلمون ان بإمكانهم حل الامر دون اللجوء للتطبيع فقد ترددوا في قبول الامر بادي الرأي ولكنهم علموا أن الأمر تم ربطه بالتطبيع منذ أيام المخلوع حيث باتت حينها تناقش قضية التطبيع على العلن ولكن تخوف النظام السابق من انقلاب داخل قواعده جعله يتردد في ابدأ الأمر وتبنيه حتى قيام الثورة .

البرهان وبحكم قربه من لجنة البشير الأمنية كان مطلع على خبايا الاتفاقات التي كانت تجري حينها لذا وبعد الثورة وبعد الدعم المحوري الذي قدم له والضغط الذي تم على قحت بقبول الجلوس مع العسكر للتفاوض أول ما فعله أن واصل في التفاهمات وما لقاء يوغندا ببعيد خاصة في ظل وجود قدح الدم كمستشارة عنده اطلعت سابقاً بهذا الملف اثناء حكم المخلوع وفي ظل الفشل الذي لازم حكومة حمدوك وضعفها والتلكؤ من الجانبين في استكمال مؤسسات الحكم خاصة المجلس التشريعي ودخول جهات ضغط عدة في ملف السلام ووصول رسائل واضحة من الادارة الأمريكية عبر وزير الخارجية بأن الرفع مربوط بالتطبيع لم يتبقى لديه الا أن يضع حمدوك والأحزاب أمام الأمر الواقع بقبول مبدأ التطبيع كخطوة أولى وإن عقدها رغبة حمدوك وإصراره على أن يجاز الأمر من المجلس التشريعي الذي يسهل وقتها تطويعه وأختراقة.

ترامب الذي إحتفى بأنه تمكن من جعل ثلاث دول تطبع مع الاسرائيلين ومن ضمنها السودان أكبر الدول التي كانت تشكل داعماً للمقاومة الفلسطينية وقال ذلك أمام أنصاره بأنه فعل ذلك بدون أن يدفع مليماً واحداً بل جلب تعويضات لأسر الضحايا في تفجير السفارات الامريكة وأن القادم أجمل كان ذلك واضحاً لإستمالة اللوبي اليهودي الأمريكي للتصويت له في معركة الإنتخابات الجارية الآن وما تم من صفقة لايعد الا نصراً إنتخابياً له وتأيداً لنتنياهو الذي يعاني من ضغوط داخلية في اسرائيل واتهامات له بالفساد مما يجعل هذه الاتفاقات الاخيرة تشكل قبلة الحياة لمستقبله السياسي .

اذاً مالفائدة التي يجنيها السودان من التطبيع ؟؟ هذا السؤال الذي لايستطيع الإجابة عليه أي من الفرقاء السياسيين في الحكومة الإنتقالية ولا دعاة التطبيع والمنظرين له .. سياسياً لم يعد السودان يشكل أي تهديد إرهابي بعد قيام الثورة بل حقق نصراً للديمقراطية والحربة كان مهره الدم وذلك بشهادة كل العالم لهذا لا أعتقد أن هنالك دولة تزايد على ذلك حتى أمريكا نفسها بيد أن وجود مليشيات في الحكم مثل الدعم السريع وحميدتي وجزء من عساكر النظام السابق يعقد الوضع داخلياً ويمنح امريكا مبررات للاستمرار في رفض رفع اسم السودان من تلك القائمة ومع عجز الحكومة الإنتقالية وإستحالة ابعاد هؤلاء العسكر من السلطة بعد التورط في الوثيقة الدستورية ومن أجل البقاء في السلطة لابد للعسكر ان يقدموا ضمانات لامريكا لتطمئن لموقفهم وبالمقابل يستمر بقاءهم في السلطة نجد أن التطبيع هو الفرصة الوحيدة التي تمنحهم صفقة جيدة ترضي امريكا وتحقق لهم نصراً زائفاً برفع اسم السودان من قائمة الإرهاب ويمنحون وعوداً للشعب بالرخاء الذي قد يأتي من التطبيع وذلك وفق وعود المحور الاماراتي وامريكا بالدعم الغير محدود والذي لا اعتقد أنه سيستمر أو يحقق شيئاً في سبيل النهوض بالبلاد من وضعها المتعثر سياسياً وإقتصادياً ذلك لأن المشكلة الإقتصادية السودانية تكمن في برامج إقتصادية حقيقة وليس الدعومات كما يجب النظر الى أن الوضع السياسي الموجود الآن غير مطمئن لرؤوس الأموال فمازالت المليشيات تسيطر على مفاصل الأمن ودونكم الإنفلاتات التي ظهرت داخل الدعم السريع والتململ وسط القوات المسلحة وعدم انسجام أحزاب قحت والضعف السياسي الذي لازم اداء الوزارات كل هذه وأخريات لايبشرن بوجود حل للمشكلات الاقتصادية بالاضافة لعدم استكمال ملف السلام .

اسرائيل وحدها المنتصرة في هذه الحلقة المتشظية فقد ضمنت بوابة الى أفريقيا والى منابع النيل وهي التي تسعى منذ مائة عام لوضع قدمها في القارة السمراء ذات الموارد العذراء التي تتنافس فيها امريكا مع تنين الشرق الصين ولسوف تلعب اسرائيل دور المقاول الأمريكي بعد التطبيع مع السودان لأن كل ما قامت به من اتفاقات مع يوغندا وأثيوبيا لم يمكنها من الدخول في عمق القارة لتنفيذ مخططها الأستراتيجي ومن يقرأ التاريخ سيجد مقولة رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتها في حرب أكتوبر جولدا مايير بعد أن عبرت القوات الاسرائيلية ثغرة الدفرسوار وقد اتصلت باعضاء الكينيست لتقول لهم أكلمكم الآن من قلب أفريقيا ومن يقرأ مذكرات جنرالات حرب أكتوبر خاصة الفريق سعد الدين الشاذلي سيعرف لماذا تهتم اسرائيل بالتطبيع السوداني وتهلل له وتعتبره إنتصاراً كبيراً سنعرف بعد حين أن غباء العسكر وضعف السياسين السودانيين الآن وضعنا في وسط دائرة الاستغلال وفتح للاسرائيلين فرصة العمر للدخول الى مجاهيل القارة السمراء بعد أن إستعصت عليهم قرناً من الزمان .  

محمد الفكي

إعلامي سوداني مهتم بقضايا التنمية المجتمعية والثقافة

محمد الفكيالتطبيع .. عجل السامري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *