آخر المقالات

السودان.. هاشتاق #الدواء_معدوم يبدد أحلام الدواء المدعوم

No comments

مقدمة..ما بين دواء معدوم ومدعوم

من المفارقات أن نفس الحروف شكلت المعضلة والحل معا، مع بعض الفعل وهو إعادة ترتيبها فقط؛ وهكذا هي الحلول دائما تنبع من النظر في اصل المشكلة وجذورها وإعادة ترتيب العناصر التي تسببت فيها و التدخل الجاد باتخاذ تدابير عملية دون اتخاذ وضع المتفرج العاجز الذي لا يدري أنه علي وشك إيجاد حلول لمشاكله بمجرد تحركه بتحركات في أغلبها في المتناول والامكان.

أزمة الدواء.. التجاهل يؤدي إلى التفاقم

تخيل أن مريضا أصيب بمرض في مراحله الأولى، بسيط الأعراض والتأثير على وظائف الجسد ويمكن لصاحبه أن يتحمل حتى يتلقى علاجه بصورة ممرحلة دون أن يفقد حياته ولكن إذا تجاهله ولم يتلق عناية صحية مناسبة ومبكرة فإن حالته قد تسوء ووظائف أعضائه قد تتدهور حتى يصل إلى مرحلة تصنف فيها حالته_التي كان يمكن السيطرة عليها_كحالة طارئة لا يجدي معها العلاج التسكيني والتلطيفي بل تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل وعلاجي ناجع وعناية مكثفة وإلا قضى هذا المرض على صاحبه.

هكذا_بالضبط_كانت أزمة الدواء ثم آلت، فقد بدأت بالتدريج، أعراضها خفيفة حذر الصيادلة بكافة قطاعاتهم_بدراية الخبير_من تفاقمها ولكن لا حياة لمن تنادي.

اعلن الصيادلة عن مشاريع إضرابات و قدموا مقترحات في اجتماعات مباشرة مع جهات حكومية بحلول واضحة وأرقام مفصلة لحوجة القطاع حتى يقوم بواجبه كاملا لتحقيق الوفرة الدوائية استيرادا وتصنيعا ولكنهم كانوا كمن ينحت في الماء او يحاول طلاء الهواء.

فالدولة التي لم تضع الدواء ضمن أولوياتها الا بعد ثمانية أشهر كاملة من تشكيل حكومتها الممهورة بدماء الشهداء الغالية، حين صنفته متأخرا كسلعة استراتيجية في قائمة كانت تحوي فقط الوقود والدقيق هذا والدواء سلعة من أهم احتياجات الإنسان، وقد يأتي منطقيا قبل الغذاء، والكساء، وكثير من الاحتياجات الأخرى، بمقدور الإنسان إن زاد سعر الغذاء، أن يكتفي برغيفين مثلًا بدلًا من ثلاثة، وقد يكتفي بقميص بدلًا من اثنين، وقد يقلل من استهلاكه من الكهرباء؛ بإطفاء لمبات، ومصابيح، غير أساسية في منزله، ويكتفي بالضروري منها.
فكلها احتياجات يمكن توفيرها، أو إيجاد بديل لها، إن زاد سعرها، أو ندر وجودها؛ إلا الدواء فليس بمقدور أحدنا بتاتًا، إن وصف له الطبيب دواءً لأحد أسقامه أن يكتفي بشريط بدلًا من شريطين، أو حقنة بدلًا من حقنتين، وإلا فلن يبلغ الشفاء؛ عليه فالدواء هو السلعة الوحيدة، التي لا يمكن فيها التوفير، ولا يستطاع فيها التقليل، والاقتصاد.

كارثة واضحة، حلول معروفة وعجز مستغرب

حاليا نحن في خضم كارثة غير مسبوقة بانعدام نسبة كبيرة من الأدوية فالبندول مثلا غير متوفر و ابسط المضادات الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة غير موجودة، وأما الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الطواريء فالحصول عليها بات من المستحيلات ويموت بسبب شحها الكثير من المرضى كل يوم.

قدمت القطاعات الصيدلانية ذات الصلة تقريرا وافيا يحوي تقديرات مفصلة للحوجة المادية الشهرية من الدولار لقطاعي الاستيراد والتصنيع بمبلغ قدره 55 مليون دولار فقط وهو رقم_بقليل من التدبير_يمكن توفيره كاملا بل وبإحتياطي نقدي كذلك، يغطي التمدد غير المحسوب في حوجة القطاعين.

ما لا يدرك كله لا يترك جله

ولكن، إن افترضنا جدلا أن هذا الرقم كبير على الجهات الحكومية ولا تستطيع توفيره دفعة واحدة فهل عجزت الحكومة عن توفيره على دفعات لحل المشكلة ولو بصورة جزئية او مؤقتة وتحديد الأولويات حسب قوائم الأدوية المعروفة لتوفير الأهم والضروري والحيوي منها في كل مرة، ومن المؤسف أننا هنا نتكلم عن مهارات إدارة الأزمات وحل المشاكل في حدها الأدنى ومستواها الابسط.
لذلك من المحير وغير المفهوم ان الحكومة بدلا من أن تحاول على الأقل تدارك الأزمة او التخفيف من حدتها وتضييق هوة العجز في الوفرة الدوائية وقفت متفرجة بصورة مثيرة للتساؤل، أفلا تعلم الجهات المسؤولة أنّ ما لا يدرك كله لا يترك جله.

جائحة كورونا وورقة التوت

من العجائب ان جائحة كورونا التي كانت سببا في تقليل حدة بعض الأزمات كأزمات الوقود والدقيق والكهرباء والتي خفتَ ضجيجها بسبب الإغلاق الكامل وما سببه من تخفيف الضغط على الموارد ذات الصلة بكل أزمة، فإنها في جانب أزمة الدواء قد كشفت ظهر الحكومة واسقطت عنها ورقة التوت، فطوال الأشهر الماضية منذ بداية هذا العام كانت الفجوة الدوائية تغطى جزئيا عن طريق تجار الشنطة، تهريبا لكثير من أصناف الأدوية من مصر والهند وبعض الدول المجاورة وبعد إغلاق المجالات الجوية بسبب الجائحة ظهرت الفجوة على حقيقتها كبيرة ضخمة كثقب اسود عملاق يكاد الآن يبتلع مواطني هذا البلد المكلوم.

آخر العلاج.. تقديم الوفرة على السعر

على الحكومة ان تعمل على حل الأزمة جزئيا إذا عجزت عن حلها كليا أو عليها إن استدعى الأمر أن تلجأ إلى حل قاسي لم نكن نتمنى ان نضطر إليه وهو السماح لشركات الأدوية بالاستيراد بدولار السوق الموازي لعمل وفرة مؤقتة للدواء تحل به مشاكل الحوجة رغم ما سيصاحبه من ارتفاع حاد في الأسعار، مع بدأ العمل في ذات الأثناء على إجراء الحلول الجذرية والنهائية بتوفير ما قدره 55 مليون دولار/شهريا بالسعر التأشيري. فمع الأسف نحن الآن في مرحلة صارت فيها الوفرة مقدمة على السعر المعقول وهي مرحلة ما كنا لنصلها لو تم التعامل مع ملف الدواء بالجدية والاستجابة المطلوبة.

خاتمة

أزمة الدواء أزمة صامتة يعلو صوتها في صراخ المآتم وهي كذلك أزمة بلا صفوف تظهر صفوفها في صلوات الجنائز.

Osman Abdelhalem

كاتب سوداني مهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري.. مؤسس ومدير موقع زول بوست.

عثمان عبد الحليمالسودان.. هاشتاق #الدواء_معدوم يبدد أحلام الدواء المدعوم

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *