آخر المقالات

بعد أكثر من عام.. هل تحقق الثورة السودانية أهدافها

2 تعليقان

منذ إستقلاله المبكر ظل السودان ردحا من الزمن تحت ظلال من الحكم العسكري الذي جثم علي صدور السودانيين لأكثر من خمسين عاما تخللتها ثورات شعبية في 1964 و 1985 و 2018 لتسقط الأنظمة العسكرية و تقوم علي أنقاضها أنظمة ديمقراطية تناوشت و تصارعت فيها الأحزاب ليصبح المواطن المغلوب علي أمره بين نار البندقية و صراعات الأحزاب السياسية التي تنظر للسلطة كغنيمة تجاهد من أجلها في كل حين .

إن ثورة ديسمبر الأخيرة التي إشتعلت جذوتها في الولايات وسرعان ما انتقلت للخرطوم في حراك شعبي تحركت من بعده الأحزاب السياسية مؤتلفة مع القوي المدنية من بينها تجمع المهنيين للحاق بركب الثورة فكونت آنذاك قوي إعلان الحرية والتغيير في يناير من العام 2019 , وتغيرت منظومة الحراك الثوري ليصبح منظما ومؤثرا و تخللته فترات من العصيان المدني وبعد العديد من الملاحم ووصول المتظاهرين لمبني القيادة العامة للجيش في السادس من أبريل و الإعتصام  الذي إستمر حتي بعد أن إستلم المجلس العسكري للسلطة في 11 من أبريل 2019 و أدلي وزير الدفاع آنذاك الفريق إبن عوف ببيانه الأول  ولكنه تنحي بعد ذلك تاركا المجلس العسكري بقيادة الفريق برهان  ليبدأ فصل جديد من المفاوضات الماراثونية بين المجلس العسكري وقوي الحرية والتغيير تخللتها مصاعب جمة خاصة عندما فض المجلس العسكري إعتصام القيادة في الثالث من يونيو مما أدي لمقتل أكثر من 100 وإصابة العديد من المعتصمين .

تم الإتفاق علي هياكل الحكم عبر وثيقة دستورية تنص علي تشكيل مجلس سيادي يضم خمسة من العسكريين و خمسة من المدنيين و عنصرا توافقيا و يتم تشكيل مجلس الوزراء بطاقم من المدنيين برئاسة د.عبدالله حمدوك عدا وزارة الداخلية و الدفاع و أن يتبع ذلك تشكيل المجلس التشريعي و ولاة للولايات ولكن يبدوا بقدر ما كانت تلك الوثيقة أملا إنتظره السودانيين إلا أن المعوقات والتحديات  التي لم تستطع القوي المدنية تجاوزها كانت عائقا للوصول لأهداف الثورة ونلخصها فيما يلي :

خلافات قوي الحرية والتغيير

إن قوي الحرية والتغيير وجدت نفسها في الحكم بلا برنامج واضح حيث لا خطة تحدد معطيات المرحلة وحتي إختيار الوزراء لم يكن بقدر المسئولية في ظل تسريبات لسحب الثقة عن بعض الوزراء وإستبدالهم  و تم محاولة تعزيز هذا الخطأ بتعين وزراء دولة وهو ما يعد مخالفا للوثيقة الدستورية و صرح د.عبدالله حمدوك في لقاء له مع الجالية السودانية بالرياض في أكتوبر الماضي أنه لم يستلم برنامج الحكومة من قوي الحرية والتغيير التي سارعت علي عجل في إعداد برنامج إسعافي كرد فعل و لم يكن مقنعا بشكل أو بآخر ولم يخرج مضمونه عن الشكل الإنشائي خاليا من محددات وبرامج حقيقية و هذا ما أكده رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير في تصريحه عن أداء الحكومة في ندوة سياسية و أتبعه الحزب الشيوعي عبر سكرتيره مختار الخطيب الذي صوب سهامه تجاه ما أسماه بالقوي الإقليمية و قد قدم زعيم حزب الأمة السيد الصدق المهدي أطروحة أسماها بالعقد الإجتماعي الجديد موضحا فيها رؤية حزبه لسد الفراغات التي تم توقيعها في الوثيقة الدستورية وقام بتجميد عضوية حزبه في هياكل قوي الحرية والتغيير و من ناحية أخري أصبح وجود تجمع المهنيين في الساحة باهتا بعد حدوث إنشقاقات في صفوفه أيضا في ظل إنعدام وجود آلية لتفعيل أو إنتخاب النقابات المكونة له.

مما يجعل التساؤلات قائمة حول من يدير الدولة حاليا في ظل إنتقادها من قيادات الحاضنة السياسية بل و إختلافهم حول الرؤية والمنهج وهل من بدائل حقيقية إن فشلت هذه الحكومة ؟ بل وما الآلية التي ستسقط بها في ظل غياب برلمان أو جهة ذات سيادة قانونية وتشريعية في الوقت الحالي ؟ وهل لقوي الحرية والتغيير خطة بديلة لإنتشال البلاد من أزمة سياسية إقتصادية حقيقية؟

الأزمة الإقتصادية و إستثمارات المكون العسكري

تظل الأزمة الإقتصادية أحد أسباب الثورة الرئيسية و التي تطل برأسها ولم تستطع الحكومة في تقديم حل لها في ظل تركة ثقيلة موروثة من النظام السابق و ديون تخطت حاجز الخمسين مليار دولار و في ظل هذه الأزمة المستفحلة وجدت الحكومة نفسها أمام تحدي كبير و نقص في الوقود و الدقيق والغاز و تهاوي للعملة السودانية ومعدل تضخم يتسارع حتي وصل إلي  98,81% في أبريل الماضي.

ولكن تظل الشركات التي تتبع للجيش والدعم السريع خارج إطار المنظومة الإقتصادية و هو ماصرح به د.إبراهيم البدوي وزير المالية: أن عائدات صادر اللحوم المبردة إلى السعودية لا يدخل إلى الخزينة العامة مباشرة لأن الشركة المصدرة تتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية وهي تابعة للقوات المسلحة

و هذا ما أكده التقرير الصادر من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حيث أشار التقرير إلي أن كافة إستثمارات المؤتمر الوطني و جهاز الأمن والمخابرات تحولت للجيش والدعم السريع و عرض مخططا تفصيليا لهذه الشركات التي تبدوا منفصلة عن القطاع العام الحكومي و ليست تشبه نظيراتها من شركات القطاع الخاص ويؤول بعضها لأخوة قائد الدعم السريع و تتنوع نشاطات هذه الشركات في مجال الصناعة والغذاء والمياه والذهب والتعدين و العقارات و الإتصالات و البنوك و هو ما ذكره تقرير غلوبال ويتنس حول مدخلات الدعم السريع و الشركات التي تعتبر غطاءا للنشاط التجاري له و قد صرح كاميرون هدسون كبير الباحثين في المجلس الأطلنطي في لقاء صحفي لجريدة السوداني ” لا تزال الأجهزة الأمنية هي أقوى المؤسسات وأكثرها تمويلاً وتنظيماً في البلد بأكمله. وإلى أن يبدأ ذلك في التغيير ، سيكون القادة المدنيون في الخدمة طوع امرهم”

وهذا يعني أن المكون العسكري هو صاحب العمود الفقري في العمليات الإقتصادية و قد يظل ميزان القوي مختلا بهذه الطريقة و توقيع  الإتفاق بينه وبين قوي الحرية والتغيير مهد له مزيدا من السلطة و القوة في ظل غياب التشريعات والقوانين التي تراقب النمو المالي والأرصدة البنكية وقد شكل كل من مجلس السيادة  والوزراء لجنة الإقتصادية أسند رئاستها لنائب رئيس مجلس السيادة  لحل الضائقة المتأزمة هي محاولة لسد الذرائع وتخفيف الضغط علي مجلس الوزراء وزير ماليته البدوي الذي يبحث عن دعومات خارجية عبر مؤتمر أصدقاء السودان .

تحقيق السلام

بالرغم من أن الجبهة الثورية هي إحدي مكونات قوي الحرية والتغيير إلا أنها لم تندرج تحت ظل  الحكومة وآثرت التفاوض بشكل منفصل لتصبح الحكومة الجديدة بكافة مستوياتها أمام عقبة أخري وهي أن عليها التفاوض مع عدة حركات من بينها جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور و جيش تحرير السودان بقيادة مني مناوي و الحركة الشعبية لتحرير السودن – شمال بقيادة مالك عقار و حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم و يبدو أن الإتفاق معها كليا يواجه صعوبة في ظل عدم وضوح المشهد السياسي ومناداة عبدالعزيز الحلو شعارات العلمانية أو الإنفصال عند الزيارة الإستثنائية لرئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك لكاودا معقل الحركة .

و إن التفاصيل التي ستدرج في الإتفاقيات مع الحركات ستكون بمثابة تعقيدات أخري في المشهد السوداني خاصة الملف المتعلق بالعدالة وتسليم البشير للمحكمة الجنائية وما يتبعها من إجراءات  قد تؤدي إلي توريط القيادات العسكرية في هذا الملف الشائك و تكمن أيضا مشكلة  توزيع السلطة و الثروة  خاصة منطقة الذهب في جبل عامر الذي أعلن الدعم السريع تسليمه للحكومة مؤخرا ويجب أن يتضمن أيضا كيفية  دمج العناصر المسلحة في القوات السودانية و تحويل الحركات المسلحة لأحزاب سياسية قادرة علي التعبير عن السودان جملة بدلا عن المطالب الجغرافية التي ستقود البلاد للإنقسام  ويظل التحدي الأكبر في إعادة النازحين و تنمية المناطق المهمشة  نهشتها الحروب في ظل أزمة إقتصادية طاحنة تعصف بالبلاد .

الفراغ االتشريعي

بعد الإتفاق المبرم وتشكيل حكومة الثورة بناءا علي الوثيقة الدستورية كان التحدي السياسي بتشكيل مجلس تشريعي وولاة مدنيين في فترة لا تتجاوز 90 يوما من توقيع الإتفاقية ولكن لم تستطع قوي الحرية والتغيير في تكوينه بعد إعتراض  الجبهة الثورية و أصبح علي الجميع الإنتظار حتي ينتهي الإتفاق مما خلق فراغا تشريعيا و أدي لأن يكون مجلس الوزراء و المجلس السيادي لديهم سلطة تشريعية و في الولايات و بذلك يكون الوالي ذا سلطة معتبرة لعدم وجود مجالس ولائية تؤدي الدور الرقابي  علي الحكومة الولائية.

وتسير البلاد الآن بعد تعطيل دستور 2005 بلا موجهات قانونية أو دستورية بخلاف الوثيقة الدستورية التي إقتصرت علي أسس فقط و لا يبدوا في الأفق أي توجهات لتكوين جمعية تشريعية علي صياغة دستور دائم للسودان في ظل المشاكل التي تعصف بالاستقرار السياسي ويبدوا أن حلم السودانيين ببرلمان و دستور يمهد لدولة القانون سيظل أمرا بعيد المنال حيث أن الفترة الإنتقالية لا تزال غير واضحة المعالم ويتم إعلان القوانين عبر مراسيم دستورية يوافق عليها مجلس السيادة والوزراء مجتمعين .

إن كل النقاط المذكورة قد تشكل تحديا حقيقيا في ظل تباين القدرات بين مكونات السلطة في السودان وتلعب عدة جهات إقليمية دورا واضحا في تعميق الأزمة السودانية و لكن لا بد للأحزاب السياسية أن تضع أسسا واضحة لخطوات الإنتقال نحو الأمام و نبذ الخلاف حول الأطروحات المختلفة وإلا فإن السلطة العسكرية التي حكمت السودان دهرا من الزمان هي التي ستطلق رصاصة الرحمة علي الديقراطية .

Faris Abdalla

كاتب سوداني

فارس عبد اللهبعد أكثر من عام.. هل تحقق الثورة السودانية أهدافها

Related Posts

2 comments

Join the conversation
  • Elsadig Elkhair Naser - 21 يونيو، 2020 reply

    أخي فارس التحية لك علي المقالة الرائعة. وهي تشخيص لحالة البؤس السياسي في البلد…ولأول مرة في حياتي ينتابني القلق حول مستقبل السودان.. غير اني مندهش أين تجد من زمن للكتابة فأنت مستغرق مع هونداي صباحا ومساء..غير اني اعلم أنك مسكون بحب البلد…………………….. ولسان حالك …. وللاوطان في دم كل حر………. يد سلفت ودين مستحق.

  • محمد عثمان - 4 يوليو، 2020 reply

    مستقبل البلد في خطر مخيف كما ذكر الاخ الصادق
    “السودان يفتقد للقيادة الحقيقة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *