آخر المقالات

ولايات السودان بين مطرقة الإهمال وسندان الفقر

No comments

من الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات السابقة كلها أنها أهملت الأقاليم وركزت انتباهها في العاصمة لأن سكانها الأعلى صوتاً والأكثر تأثيرًا على من هم فيها من حكام. 

الآن هذه الولايات تعيش أقصى درجات التهميش والإهمال ولا أحد ينتبه لها من الحكومة الحالية الا إذا تعالت الأصوات كما يحدث الآن في قضية إعتصام نيرتتي
تعاني الولايات أو الأقاليم أياً كانت من إنصراف الحكومة المركزية مما أنعكس ذلك سلباً على ضبط السوق وتردي الخدمات وإنعدام الرقابة الحكومية على الأداء العام.

الحكومة في المركز غائبة عن المشهد في الولايات ومنغلقه على العاصمة وتضع جل إهتمامها على تقديم الخدمات المتاحة في مجال الصحة والخدمات على العاصمة بينما تكاد تنعدم هذه الخدمات على بعد مائة كيلو متر من العاصمة نفسها وترتفع الأسعار كل يوم بدون أن تجد مبرراً لإرتفاعها.

من المعلوم بالضرورة أن كل المشاريع التي ساهمت في نهضة السودان في الماضي موجدودة في أقاليم السودان وليس في عاصمته مشروع الجزيرة الذي كان عماد الإقتصاد الوطني ومشاريع الإعاشة بالنيل الأبيض التي ساهمت في رخاء إنسان المنطقة ومشاريع جنوب النيل الأبيض والأزرق والقضارف والمشاريع الزراعية في الأقليم الشمالي والمنتجات الزراعية من الولايات الغربية الصمغ العربي والفول السوداني وغيرها هذا إضافة الى المشاريع الصناعية التي كانت تمتد في عرض البلاد من شمالها الى جنوبها ووسطها وشرقها وغربها ذات الإنتاج المختلف والمتعدد من الغزل والنسيج انتهاء بالتعليب والصناعات الورقية .

في الصين وفي العام 1976 قام الزعيم الصيني دنغ شياوبينغ  بإجراء اصلاحات إقتصادية منح خلالها المزارعين الحق في استغلال أراضيهم مما أدى الى إنتهاء ظاهرة شح وغلاء المواد الغذائية وقام بإجراء اصلاحات في الصناعة ومكن الريفيون من العمل في المصانع مما ساهم في نهوض الصين بعد أن كانت تعيش في ظل أزمة طاحنة.

خلال الثلاثين عاماٍ الماضية أسهمت الحكومة في جعل الريف والولايات مناطق طاردة وغير صالحة للعيش توقفت العديد من المشاريع الزراعية والصناعية وهجر السكان قراهم ومدنهم واتجهوا الى الخرطوم بعد أن فشلت الحكومة في تقديم أي تنمية تساهم في إستقرارهم هناك فهاجرت أسر بأكملها وأستقرت في العاصمة وتفرق أفرادها يمتهنون ما شاء لهم القدر من مهن وبعضهم هاجرا طمعا في تعليم ابناءه لتردي التعليم في الولايات والبعض باع أراضيه وأتجه للإستثمار العاجل في التجارة بالخرطوم نتج عن ذلك إنفجار سكاني وتمدد للخرطوم في كل الإتجاهات وإكتظاظ سكاني أسهم ذلك في تردي الخدمات وعانت الخرطوم من ضغط هائل ولازالت.

إن الحل يكمن في أن تتوجه الدولة بكلياتها للإهتمام بالريف والولايات وخلق نهضة شاملة في المجال الزراعي وإخراج المصانع من الخرطوم ودعم الإستثمار في الولايات وتشجيع المؤسسات الصغيرة ومنح التمويل للأسر لإنشاء مشاريع صغيرة صناعية والإهتمام بإنشاء الطرق التي تربط الولايات ببعضها وبالموانئ والمركز وإخرراج بعض الوزارات من الخرطوم والإهتمام ببسط الشبكات المصرفية بالولايات ومد الطاقة والخدمات لتسهم بذلك في العودة التدريجية الى الولايات وخلق نهضة شاملة عبرها بالاستفادة من خيراتها وإمكانياتها الطبيعية والإستثمار في السياحة .

هذا لن يتأتى إلا بصنع السلام والإستقرار وتحقيق العدالة الإجتماعية و إنشاء نظام فيدرالي يمكن لكل الولايات من الإستفادة من مواردها وتطويرها وتكون فيه الحكومة المركزية هي المنسق بين تلك الولايات وتمنح الولايات صلاحيات واسعة عبر إنشاء مجالسها المحلية واختيار حكامها بالانتخاب وتقوية النظام القضائي وطرح برامج توعية نوعية والإهتمام بالتثقيف الصحي والتدريب الشعبي .

إن أكثر ما يهدد إستقرار الولايات والريف عموما عدم الإهتمام الذي سيولد غبناً ربما تحول الى قضايا سياسية تعقد الوضع الراهن ولا تسهم في خلق حل لقضايا تنمية الريف مما يعيدنا الى المربع الأول .

محمد الفكي

إعلامي سوداني مهتم بقضايا التنمية المجتمعية والثقافة

محمد الفكيولايات السودان بين مطرقة الإهمال وسندان الفقر

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.