آخر المقالات

وهم الانتساب لكليات القمة.. هل ندفع أبناءنا للنجاح ام التعاسة؟!

No comments

جولة واحدة في مجموعات الفنون والحرف والأعمال اليدوية على الفيس بوك، تخبرك عن حجم الجرم الذي نرتكبه في حق أبنائنا، وعن حالة الفصام التي نجبرهم على العيش فيها، بين ما يفعلونه وما يرغبون من داخلهم بفعله. نختار عنهم مجال دراستهم، ونرسم خارطة طريق مستقبلهم، والمهن التي نراهم فيها، وفقاً لآرائنا و إرضاءً لغرورنا واشباعاً لحاجات في أنفسنا، بغض النظر عن ميولهم ورغباتهم وأهتماماتهم.

فنانون رسامون نحاتون، و كتاب مبدعون كثر ضلوا طريقهم، وسلكوا طرقاً (خاطئة) نحو الطب والهندسة والقانون والاقتصاد، أنفقوا فيها أجمل سني عمرهم وتخرجوا بشهادات علمية كبيرة، اكتفوا بتعليقها في مكان بارز بالمنزل لأغراض المفاخرة والتباهي فقط لا غير، واتجهوا لاتباع شغفهم الحقيقي وإرضاء ميولهم الفعلية. ففي عالمنا المتأخر هذا لزاماً على أصحاب الدرجات العالية الدخول لما يسمى _وهماً_ بكليات القمة، وإن كانت رغباتهم دون ذلك، بينما في عوالم أخرى موازية تستلزم دراسة الفنون والآداب درجات دراسية عالية، لا تقل عن تلك التي تتطلبها كليات الطب والهندسة. من الهندسة إلى صناعة الجلود، ومن الطب إلى الأزياء والتجميل، ومن القانون والاقتصاد والعلوم إلى تصميم الغرافيك و برمجة التطبيقات، يهجرون تخصصاتهم ليبدأوا مهناً جديدة، فيبرعون كثيراً فيما يفعلونه عن حب ويوافق رغباتهم بحق، للدرجة التي تجعلنا نتابعهم مزهوين بالعبارة التي يزيلون بها إعلاناتهم: (صنع في السودان).

تأثير الأسرة القاسي على رغبات الأبناء في تحديد الدراسة والمسيرة المهنية تجعلهم يعملون مجبرين وبمستوى مهني عادي أو أقل، دون حب أو شغف أو اقتناع، بينما بإمكان كل منهم أن يبدع في مجال آخر يحبه، ويتميز بإتقانه مدفوعاً بشغفه ورغبته، فكاتب موهوب أو رسام مبدع خير من طبيب سيئ مجبر على الطب لا بطل، على سبيل المثال طبعاً لا التجريح.

الشغف والرغبة ما يجعل الشخص يبدع فيما يفعله، كما أن وجود شخص في مكان ما دون رغبة، يفوت الفرصة على من يرغب به فعلياً وفي هذا ظلم لكليها على حدٍ سواء. كثير من مشاهير العالم وشخصياته الناجحة والمؤثرة التي قدمت للبشرية الكثير، لم يكملوا دراستهم الجامعية، وبعضهم لم يلج الجامعات أبداً، منهم مثلاً (شكسبير) رائد الأدب الإنجليزي والذي لاتزال كتبه تدرس في كليات الآداب حول العالم، ومثله ( أجاثا كريستي) صاحبة كتب المغامرات الشهيرة، التي لم تتلقى سوى تعليماً منزلياً محدوداً على يد والدتها، استطاعت به البدأ في الكتابة والتأليف دون الوصول إلى أبواب الجامعة. (توماس أديسون) سُجلت باسمه ١٠٠٣ براءة اختراع أهمها المصباح والبطارية دون الحصول على شهادة نظامية، (بيل غيتس) أكبر رائد في عالم التقنيات، وصاحب واحدة من أكبر شركات البرامج، لها قرابة ١٠ ألاف براءة اختراع، ومثله (مايكل ديل) الذي ترك مقعده في جامعة تكساس ليؤسس شركة كمبيوتر، أصبحت فيما بعد واحدة من أكبر وأميز شركات الحواسيب في العالم. مارك زوكبيرغ، كوكو شانيل، ورالف رولين والقائمة تطول، ممن لم يلجوا أو لم يكملوا دراستهم في الجامعة! كلٌ ميسر لما خلق له، وكل مهنة تكتمل بالأخرى ولا تنتقص منها، وجميعهم تروس متساوية الأهمية تدور بعجلة البلاد نحو النهضة والتنمية المستدامة، فلا فضل لطبيب على معلم ولا لمهندس على عامل إلا بمقدار ما يقدمه لشعبه ووطنه بكفاءة وإخلاص واقتدار.

نجحف في حق أبنائنا حين نختار عنهم طريقهم، ونحدد لهم مسيرتهم غير عابئين بميولهم ورغباتهم، وما بإمكانهم النجاح فيه حين يكون الخيار لهم، فالنجاح غير مرتبط بمهنة أو بعمل معين، النجاح يكمن في تحقيق ما يعود بالفائدة على الفرد وعلى مجتمعه بالفائدة والخير الوفير.

Rookia Taha

كاتبة سودانية

رقية طه المغربيوهم الانتساب لكليات القمة.. هل ندفع أبناءنا للنجاح ام التعاسة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *